السيد محمد تقي المدرسي
277
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
والقرآن الحكيم فضح المنافقين ببيان صفتهم ، ومن أبرزها ؛ انهم يفرحون إذا عانى المسلمون من هزيمة أو نكبة ، ويسخطون إذا أصاب المسلمون نصراً أو فتحاً . الركن الثالث : أسباب مشروعية القتال ( الحج / 39 - 40 ) ، ( البقرة / 246 ) ، ( البقرة / 191 ) ، ( البقرة / 217 ) ، ( الممتحنة / 8 ) ، ( النساء / 76 ) ، ( آل عمران / 195 ) ، ( المائدة / 32 ) ، ( الانعام / 151 ) وغيرها من الآيات . . نستفيد من آيات الذكر الكريمة ؛ ان الفتنة من ابرز أسباب القتال ، لان الفتنة أكبر من القتل ، والفتنة تتمثل في اخراج الناس من بلادهم ، ( كما الآية 191 والآية 217 / البقرة ) . كما تتمثل ايضاً في الصد عن المسجد الحرام ( حسبما نستفيد من الآية 39 / الأنفال ) ، مع ملاحظة الآيات السابقة حول الصد عن المسجد الحرام وهي التي تدعو المؤمنين إلى الهجرة ، حيث يقول ربنا سبحانه : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ( النحل / 110 ) « 1 »
--> ( 1 ) أصل الفتنة - حسبما يبدو - ابتلاء الانسان ، وإظهار حقيقته . ولعل منه قوله سبحانه : يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ( الذاريات / 13 ) ؛ يعني تظهر حقائقهم . هذا في الآخرة ، اما في الدنيا فان حقيقة البشر تظهر بما يلي : أ - بالنعم هل يطغى بها أم يشكر . قال سبحانه : لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً ( الجن / 17 ) ب - وبالأولاد والأموال . قال تعالى : إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( التغابن / 15 ) ، وبالزوجة . قال عز وجل : وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ( طه / 131 ) . ج - والناس يفتنون ببعضهم . قال تعالى : وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلآَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الاسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً ( الفرقان / 20 ) د - والعذاب الإلهي فتنة . قال عز وجل : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاتُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( الأنفال / 25 ) ه - واذى الناس لبعضهم فتنة . قال تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَآ اوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِاعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ ( العنكبوت / 10 ) وهذه الفتنة هي التي يسعى الكفار بها ، صرف المؤمنين عن دينهم ، حيث قال سبحانه : فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ وَملإِيْهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ( يونس / 83 ) وقال : وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَآ أَنْزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ لَفَاسِقُونَ ( المائدة / 49 ) وقال : وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ( الاسراء / 73 ) وقال : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ( النحل / 110 ) وقال : إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ( البروج / 10 ) وهي المراد من قوله تعالى : وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم وَاخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ اخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ القَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزَآءُ الْكَافِرِينَ ( البقرة / 191 ) وقوله : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الْدُّنْيَا وَالاخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( البقرة / 217 ) . ومن التدبر في الآيات نستنتج ان الفتنة التي لابد من مواجهتها ، هي محاولة أعداء الله تضليل الناس عن دين الله بالارهاب ( وربما بالترغيب ) . وهذا لا يكون إلّا بامتلاكهم السلطة ، وعلينا محاربتهم حتى تكسر شوكتهم . والله العالم .